لماذا التعويم

للاجابة على هذا السؤال يجب ان نلقي الضوء اولا على بعض المفاهيم الاقتصادية و التي ترتبط ارتباطا وثيقا باتخاذ هذا القرار :

اولا : الاحتياطي النقدي

تعريفه :

هو اجمالي حجم الودائع والسندات من العملة الأجنبية فقط، والتي تحتفظ بها البنوك المركزية والسلطات النقدية، أو هو حجم صرف العملات الأجنبية والذهب والمعادن النفيسة التي تستخدم لدعم العملة الوطنية ولإتمام المعاملات الدولية، وتسديد الديون والالتزامات.

و هو احد اهم المؤشرات التى تدل على :

  • قدرة الدولة على سداد ديونها الخارجية و بالتالي تحديد تصنيف الدولة الائتمانى
  • الحفاظ على قيمة العملة المحلية مقابل العملات الاخرى الاجنبية. لانه فى حالة توفر كمية كبيرة من الاحتياطى النقدى فإن ذلك يساعد على تحقيق المزيد من الاستقرار فى اسعار صرف العملات الاجنبية لخلق بئية مثمرة للاقتصاد.

يتبين من هذا التعريف ان الاحتياطي النقدي عبارة عن وعاء :

مصادره  : هي العملات الاجنبيه التي ترد من التحويلات الخارجيه – حصيلة التصدير – قناة السويس الاستثمارات المباشرة – القروض و المنح الخارجية .

استخدامته : العملات الاجنبية المسددة في عمليات الاستيراد و التحويلات الى الخارج و سداد القروض و المنح .

و تعتبر حصيلة التصدير و المدفوعات الناتجة عن عمليات الاستيراد  احد اهم العناصر الذان يكونان ما يعرف بالميزان التجاري.

ثانيا فالميزان التجاري :

هو  الفرق بين قيمة واردات بلد ما خلال فترة ما وبين قيمة صادراته. فإذا رجحت كفة الصادرات على كفة الواردات قيل إن البلد ذو ميزان تجاري ملائم أو موافق وإذا رجحت كفة الواردات على كفة الصادرات قيل إن البلد ذو ميزان تجاري غير ملائم أو غير موافق.

و بالتالي و من خلال ما سبق يتبين لنا مدى الارتباط الوثيق بين الاحتياطي النقدي و الميزان التجاري للدولة و مدى تاثر كل منهما بالاخر .

و حيث ان التنازل عن حصيلة التصدير و التحويلات الخارجية تمثل الجزء الاكبر من اجمالي الموارد و ان التنازل عن هذه الحصيلة للبنوك العاملة في مصر يعد تنازلا اختياريا تتحكم فيه المصلحة الخاصة للمتنازل و هو السعر الاعلى.

 و عليه فانه في حالة عدم عرض سعر مميز من البنوك العاملة في مصر – و التي تمثل القناة الرئيسية و الوحيدة للاحتياطي النقدي – فانه سيتم تسريب هذه الموارد من العملة الاجنبية خارج البنوك الى السوق الموازية و التي بدورها ستتحكم في توجيه سعر العملات الاجنبية في السوق بيعا و شراءا .

الحالة المصرية

يمكن تقسيم التطور التاريخي لصافي الاحتياطي النقدي للعملات الاجنبية في الحالة المصرية الى ثلاث اقسام :

القسم الاول في الفترة من عام 2004 حتى 25 يناير 2011.

القسم الثاني في الفترة من عام 2011 حتى تاريخ  3 نوفمبر ( تاريخ تعويم الجنيه المصري ).

القسم الثالث في الفترة من تاريخ التعويم حتى تاريخه.

  • القسم الاول و الذي ارتفع فيه الاحتياطي النقدي من 14.2 مليار دولار عام 2004 حتى وصل الى 36 مليار دولار عام 2010 و ذلك بفضل ارتفاع معدلات السياحة و الذي وصل فيه عدد السائحين القادمين الى جمهورية مصر العربية الى 14.7 مليون سائح و ارتفاع معدلات الاستثمار المباشر   و قد ساعدت هذه الزيادة الكبيرة في الاحتياطي النقدي  الى قدرة البنك المركزي على التحكم في اسعار الصرف الاجنبي و ذلك بالقدرة على التدخل في حالة ذيادة الفرق بين سعري الصرف الرسمي و السوق الموازية عن طريق ضخ دفعات محددة و على فترات لتمويل جزء من الواردات السلعية و خاصة السلع الاستراتيجية.
  • القسم الثاني و التي انخفض فيه الاحتياطي النقدي من 36 مليار دولار الى 16 مليار دولار          ( بالاضافة الى 2 مليار دولار وديعة من دولة الامارات ) و ذلك لانخفاض حجم الوارد من العملات الاجنبية نتيجة تدهور معدلات السياحة بشكل محلوظ و انخفاض شديد في صافي قيمة الاستثمارت المباشرة – و بالرغم من ذلك تم انتهاج نفس النهج القديم و هو تدخل البنك المركزي في حالة تجاوز الفجوة بين سعر البنوك و سعر السوق الموازيه لتمويل السلع الواردة من الخارج بالرغم من انخفاض الاحتياطي النقدي بشكل كبير و متسارع ادي هذا الى الانخفاض حتى وصل الاحتياطي الى حد مرحلة الخطر و كانت النتيجة الحتمية الى عودة  تحكم السوق الموازية في سعر الصرف و بصورة احتكارية نتيجة عدم مقدرة المركزي على تلبية احتياجات المستوردين و بالتالي لجوء الطرفين البائع و المشتري الى السوق الموازية مما ادي الى ارتفاع الفجوة الى ما لايقل عن خمسة جنيهات مصرية و هو فارق كبير.

في هذه اللحظة كان لابد من اتخاذ قرار بشعار ( لا للمسكنات ) و التعامل مع النقود بتعريفها الحقيقي و هي كوسيط عادل للتبادل يتم تداولها طبقا لقواعد العرض و الطلب للوصول الى القدرة الشرائية الحقيقية للعملة المحلية.

و كان هذا القرار بمثابة المرآة الحقيقية التي تظهر العيوب و المشاكل التي يتعرض لها الاقتصاد المصري للوصول الى طرق العلاج الحقيقية و ليس دفن الرؤوس في الرمال.

 

  • القسم الثالث:و هي فترة لا تتجاوز 6 اشهر و قد ارتفع فيها الاحتياطي النقدي من 19 مليار دولار امريكي الى 28.6 مليار دولار امريكي

و قد تميزت فيها هذه الفترة بالنتائج التالية و هي نتائج مباشرة لقرار التعويم :

  • ذيادة الحصيلة المتنازل عنها في الفترة من نوفمبر 2016 حتى مارس 2017 الى 16.2 مليار في حين كانت الحصيلة المتنازل عنها في العشرة شهور قبل التعويم 6.6 مليار فقط
  • بلغت عمليات التجارة الخارجية 14 مليار
  • تراجع عجز الميزان التجاري من 12.3 مليار دولار خلال الربع الاول من من عام 2016 الى 6.6 مليار دولار خلال الربع الاول من العام الجاري بم يمثل 46.24%

 

حيث ارتفعت الصادرات المصرية من 4.8 مليار دولار خلال الربع الاول من من عام 2016 الى 5.5 مليار دولار خلال الربع الاول من العام الجاري بنسبة زيادة 15.3 %و في المقابل انخفضت الواردات من 17 مليار دولار خلال الربع الاول من من عام 2016  الى 12 مليار دولار خلال الربع الاول من العام الجاري   بنسبة انخفاض 29% ( المصدر مستودع بيانات التجارة الخارجية المصرية ).

 * ارتفاع قيمة تحويلات المصريين العاملين بالخارج من 7 مليار دولار في الفترة بين نوفمبر 2015 الى مارس 2016 الى 8 مليار دولار لنفس الفترة بنسبة زيادة 13%

  • القروض التي حصلت عليها مصر منذ بداية التعويم حتى تاريخه :
  • 2750 مليون دولار شهر نوفمبر 2016
  • 1000 مليون دولار شهر مارس 2017
  • 500 مليون دولار شهر ابريـل  2017

باجمالي قدره 4250 مليون دولار

 يتضح مما سبق

  • وجود سعر صرف واحد تقريبا داخل و خارج البنوك المصرية .
  • ان النتيجة الاساسية لتحرير سعر الصرف هي اعادة التوازن للاحتياطي النقدي من العملات الاجنبية و ذلك بوجود سعر واحد لها و بالتالي تشجيع كافة الاطراف الى توجيه حصيلة العملات الاجنبية الى البنوك العاملة في جمهورية مصر العربية – قد تحققت بظهور نتائج ايجابية و سريعة على زيادة الحصيلة – انخفاض عجز الميزان التجاري – ذيادة في الحصيلة المتنازل عنها من التحويلات الواردة من الخارج .
  • و في نفس الوقت اظهار قيمة العملة المصرية بقيمتها الحقيقية قد اظهرت و بشكل واضح جزء كبير من مشكلات الاقتصاد المصري على السطح و بالتالي اكتشاف مواطن الضعف و البداية في علاجها بشكل سليم
  • في حين ان الزيادة في الاحتياطي النقدي منذ بداية تحرير سعر الصرف حتى ابريل 2017 كانت حوالي 9 مليار دولار الا ان هذا المبلغ احتوى فقط على 4.3 مليار دولار قروض من جهات خارجية و الباقي ناتج عن تحرير سعر الصرف

 الخلاصة :

  • الضرورة القصوى في اتخاذ قرار تحرير سعر الصرف وذلك لتحقيق التطابق التمويلي للاحتياطي النقدي فلا يعقل ان يطالب البنك المركزي بتوفير العملات الاجنبية اللازمة للاستيراد و التحويلات للخارج دون ان يكون هو المتحكم الاول فيما يرد من عملات اجنبية من التحويلات الخارجية           و التصدير و بنود الموارد الاخرى.
  • في ظل سيطرة نظام الاقتصاد الحر و الذي تتحكم فيه قوى العرض و الطلب في العالم كله و اختفاء النظم الشمولية كان لابد و ان نتواكب مع هذا و ان تعبر العملة المحلية عن القيمة الحقيقية لها وبالتالي تشجيع و جذب الاستثمارات الخارجية
  • المشكلة ليست في قرار التعويم و لكنها المشاكل و الصعوبات المزمنة التي واكبت الاقتصاد منذ فترة طويلة بدون علاج فقام هذا القرار باظهار اغلبها و بالتالي تكون البداية الصحيحة في علاجها.

نعتقد و نامل انه في حالة انتعاش السياحة و عودة تدفق الاستثمارت الاجنبية بعد اصدار اللائحة التنفيذية لقانون الاستثمار و المحاولات التي تتم بشان القضاء على معوقات الاستثمار مع الميزة التنافسية التي تضاف الى الاقتصاد المصري بأظهار قيمة العملة المحلية بالقيمة الحقيقية مما يجعل السلع و الخدمات المصرية تتمتع بسعر حقيقي وتنافسي مع نظيراتها في الدول الاخرى بالاضافة الى ذيادة ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري  – نتوقع ان يكون هذا بداية لنمو الاقتصاد المصري على اسس سليمة تتوافق مع نظم الاقتصاد العالمي المتعارف عليها

اعلن معنا - ضع إعلانك هنا

عن هشام موسى

خبير واستشاري مالي واقتصادي ماجستير في المحاسبة

شاهد أيضاً

معدلات نمو الملاحة في قناة السويس خلال العشرة سنوات الاخيرة و التوقعات المستقبلية

اختلفت الاراء في الفترة الاخيرة حول تباطؤ معدلات النمو في حركة الملاحة بقناة السويس و …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.